صديق الحسيني القنوجي البخاري
566
فتح البيان في مقاصد القرآن
دخلت رب هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي لأن المترقب في أخباره سبحانه كالواقع المتحقق ، فكأنه قيل ربما ود الذين كفروا بهذا الكتاب والقرآن ، فهذا مرتبط بما قبله . لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ أي منقادين لحكمه مذعنين له من جملة أهله ، وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة ، والمراد أنه لما انكشف لهم الأمر واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر ، وأن الدين عند اللّه سبحانه هو الإسلام لا دين غيره ، حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع بل هي لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما فرطت في جنب اللّه . وقيل كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين ، وقيل عند خروج عصاة الموحدين من النار ، والظاهر أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم ، ولو مصدرية أو امتناعية وجوابها محذوف أي لسروا بذلك أو تخلصوا مما هم فيه والأول أولى . والتعبير عن متمناهم بالغيبة نظرا للإخبار عنهم ، ولو نظر لصدوره منهم لقيل لو كنا . عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا : ود المشركون يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وعن ابن مسعود قال : هذا في الجهنمين إذا رأوهم يخرجون من النار . وعن ابن عباس قال : لا يزال اللّه يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول : من كان مسلما فليدخل الجنة ، فذلك قوله : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . وعن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا : حيث يجمع اللّه من أهل الخطايا من المشركين والمسلمين في النار ، فيقول المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون ، فيغضب اللّه لهم فيخرجهم بفضله ورحمته ، أخرجه البيهقي في البعث وابن المبارك في الزهد . وأخرج الطبراني في الأوسط بسند قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء اللّه أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم ، فلا يبقى أحد إلا أخرجه اللّه من النار . ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية » وفي الباب أحاديث مرفوعة عن جمع من الصحابة في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية . ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا هذا تهديد لهم أي خل هؤلاء الكفرة ودعهم عما أنت بصدده من الأمر لهم والنهي فهم لا يرعوون أبدا ولا يخرجون من باطل : ولا يدخلون